17 مارس 2026
الأراضي المقدّسة

غوجيروتي وجّه رسالة إلى أساقفة الكنيسة الكاثوليكيّة حول العالم، والمناسبة؟

وجّه عميد دائرة الكنائس الشّرقيّة الكاردينال كلاوديو غوجيروتي رسالة إلى أساقفة الكنيسة الكاثوليكيّة حول العالم لكي يساهموا في حملة جمع التّبرّعات من أجل الأرض المقدّس، في حملتها السّنويّة، والّتي تُقام في الجمعة العظيمة.

وكتب الكاردينال غوجيروتي بحسب “فاتيكان نيوز”: “كم تمنّينا أن يعيد السّلام أخيرًا الحياة والرّجاء إلى الأرض المقدّسة! لقد تعدّدت ما تُسمّى بالحوارات والاتّفاقيّات، ولكن في الوقت عينه لم تصمت الأسلحة. قيل إنّ السّلام قد تحقّق، ولكن رغم أنّ وسائل الإعلام تتحدّث عنه أقلّ بكثير من ذي قبل، إلّا أنّ الأسلحة لا تزال تطلق نيرانها، والنّاس لا يزالون يموتون، والأراضي لا تزال محلّ نزاع، والمسيحيّون لا يزالون يهاجرون لإنقاذ أرواحهم. حتّى المدارس غالبًا ما لا يصل إليها المعلّمون لأنّه لا يُسمح لهم بالمرور.

أعلم أنّ مخاطبتك ومخاطبة العائلة المسيحيّة الّتي أنت مسؤول عنها تزداد صعوبة، وأنّ الكلمات الّتي أوجّهها إليك عامًا بعد عام تزداد تكرارًا. أعلم أنّه يصبح من الصّعب أكثر فأكثر التّفكير في تضميد وتطهير جراح هذا العالم المُمزَّق. لكنّنا نحن المسيحيّين لا يمكننا إلّا أن نرجو، لأنّ الله هو رجاؤنا، والله لا يخون. إنّ ذلك المصلوب المعلّق في غرفنا، كما في أماكننا المقدّسة، هو علامة على حياة أقوى من الموت، ولكنّها حياة عبرت من خلال الموت. يجب أن نغيّر الكثير: العقليّات، والحساسيّات، والأولويّات في حياتنا اليوميّة، لأنّ هذا العالم يجرّدنا من إنسانيّتنا تدريجيًّا بدون أن نشعر.

لا ننسينَّ أبدًا أن نصلّي، لأنّ الله هو رجاؤنا. ولكن ها أنا الآن آتي إليك لأقترح لفتة صغيرة، تسير تمامًا في اتّجاه هذا الارتداد وهذا التّغيير: أن نعطي القليل من مالنا لمساعدة الإخوة والأخوات الّذين يواجهون خطرًا شديدًا لكي يعيشوا يومًا إضافيًّا، ولكي يجدوا إمكانيّة للرّجاء والبدء من جديد. إنّها لفتة مهمّة بالنّسبة لهم، وجوهريّة بالنّسبة لحراسة الأراضي المقدّسة الّتي تسهر منذ زمن طويل على الأماكن الّتي طبعت حياة الرّبّ يسوع. وهي لفتة مهمّة لنا أيضًا، لأنّها تساعدنا على التّفكير في أنّه بدون تضحية، وبدون تغيير في حياتنا، سنبقى خاملين في هذا العالم المشتعل، وبالتّالي شركاء للّذين يضرمون فيه النّار. لفتة ستصبح ملموسة في العالم كلّه تقريبًا (لأنّ بعض الجماعات اختارت تاريخًا آخر) في يوم الجمعة العظيمة تحديدًا، وهو اليوم الّذي نتذكّر فيه ذاك الّذي لم يقدّم صدقة، بل بذل حياته نفسها، ونَفَسَه الأخير الّذي هو الرّوح القدس، لكي يشفى هذا العالم ويبدأ في الرّجاء بما لا يرجى. لقد أراد البابوات هذه اللّفتة ولا يزالون يريدونها، لأنّهم مقتنعون بأنّه فقط من خلال الأبوّة والمشاركة والصّداقة التّضامنيّة يمكن إعادة بناء واقع يعود ليحمل ملامح إنسانيّة ويستنسخ مشروع الإنسانيّة الّذي أراده الله عند الخلق.

من أجل البقاء، هناك حاجة أيضًا إلى مساهمتكم. لقد فقد الكثير من مسيحيّي الأرض المقدّسة كلّ شيء، بما في ذلك العمل الّذي كان يأتي من خدمة الحجّاج. والآن، يميل معظمهم، خوفًا، إلى عدم المغامرة مرّة أخرى في تلك الأراضي. يعلم إخوتنا وأخواتنا في الإيمان الّذين يعيشون في الأماكن المقدّسة أنّه بمساهمتكم، وربّما بها وحدها، إذا لم يكن من الممكن ضمان سلامتهم، فسيكون بإمكان مدارسهم على الأقلّ أن تستأنف عملها، ويمكن بناء بعض المنازل الجديدة، وحيثما يكون الدّمار شاملًا، سيتمّ ضمان بعض الرّعاية. فقد شوّهت القنابل أوّلًا، ثمّ الكوارث الطّبيعيّة، أرضهم، وجعلتها غير صالحة للسّكن، ناهيك عن تلك الخسائر البشريّة المتزايدة، بدون أن يكون هناك يوم واحد يمكنهم فيه أن يتنفّسوا بسلام.

أرجوك أن تسلّط الضوء، بالكلمات الّتي تتناسب أكثر مع حساسيّة شعبك، على واجبنا في رعاية الأرض المقدّسة، وكذلك العديد من الأماكن الأخرى الّتي دمّرتها الحروب. أعرض الصّور، وأعمل على توعية النّاس من خلال المصادر العديدة الّتي تتيح الاطّلاع على المعاناة اليوميّة للقلّة القليلة من المسيحيّين الّذين يتمكّنون من الحفاظ على إمكانيّة البقاء في أرضهم. هناك العديد من الوسائل المتاحة، بدءًا من نداءات البابوات والرّعاة المخلصين في المكان. لنحاول أن نجعل شعبنا يشارك في التّبرّعات وهو مدرك أنّ العطاء هو علامة قويّة على الإيمان، وأنّ الأرض المقدّسة بدون مؤمنين هي أرض ضائعة، لأنّها تفقد الذّاكرة الحيّة، الّتي هي استمراريّة مصدر الخلاص الّذي ولدنا مجدّّدًا في المسيح. حثَّ، وأقنِع، وأيقظ الضّمائر، وادعُها إلى تضامن جسد المسيح الواحد هذا الّذي هو الكنيسة، الممتدّة في جميع بقاع الأرض. إنَّ التّجديف ليس فقط فعلًا يُرتكب ضدّ القربان المقدّس؛ التّجديف هو أيضًا الفعل الّذي يُرتكب ضدّ جسد المسيح الّذي هو الكنيسة. وكم يصرّ القدّيس أوغسطينوس، على هذا المفهوم: عندما تنال جسد المسيح على المذبح، إعلم أنّك تنال ما أنت عليه! “صيروا ما ترون، ونالوا ما أنتم عليه”.

أنا مقتنع بأنّ شعبنا، شعبك، لن يكون غير مبالٍ بهذا النّداء، لأنّ الأوتار الأكثر حيويّة، تلك الّتي جعلتها المعموديّة جزءًا لا يتجزّأ من الرّغبة العالميّة في الخير الّتي تُعدّنا للقاء الله، تنتظر فقط أن تُقوّى أو حتّى أن تُدرّب ببساطة. إنَّ البابا لاون الرّابع عشر لا يكفّ عن تذكير العقل والقلب بهذا الالتزام بأن نكون واحدًا، لكي يكون هناك سلام، لا هدنة مؤقّتة، ولا كراهيّة أبديّة، ولا نفقات هائلة على التّسلّح، بل مساهمة في النّهضة المشتركة: “أودّ أن أشكر الله من أجل المسيحيّين الّذين، لاسيّما في الشّرق الأوسط، يثابرون ويصمدون في أراضيهم، وهم أقوى من تجربة التّخلّي عنها. يجب أن تُمنح للمسيحيّين الإمكانيّة، وليس فقط بالكلمات، للبقاء في أراضيهم مع كلّ الحقوق اللّازمة لحياة آمنة. أرجوكم، لنلتزم بذلك!

كم من مرّة زرتُ شخصيًّا تلك الأقلّيّات المسيحيّة الّتي تستيقظ كلّ يوم وهي تواجه خطر ألّا تجد مكانًا للوجود! ساعدونا لنعطيهم رجاءً ملموسًا وليس مجرّد كلمات تعزية، لأنّنا نحن الّذين نزورهم نعلم أنّنا سنغادر من هناك، بينما هم يبقون مع مخاوفهم، بل ومع الرّعب من أن يُقضى عليهم، لمجرّد أنّهم مسيحيّون. إنّ حملة جمع التّبرّعات للأرض المقدّسة، مع المساعدة اليوميّة الثّمينة لإخوتنا الفرنسيسكان والّذين ينشطون ويعملون في الجماعات المحلّيّة، ستكون قطرة في محيط، ولكن المحيط، وبسبب فقدان القطرات المستمرّ، قد بدأ يتحوّل إلى صحراء.

ليبارك الرّبّ بوفرة الّذين سيشعرون في هذه الجمعة العظيمة أيضًا بأنّهم مدينون بالحياة الّتي نالوها، وبأنّهم شركاء في خلقٍ يجعل أورشليم الأرضيّة أقرب إلى أورشليم السّماويّة. شكرًا لك، أيّها الأخ العزيز، على إصغائك لي. ليعضد الآب جهودك من أجل السّلام ومساهمتك في إحياء الّذين هم ضحايا الحرب الأبرياء. إنَّ قايين وهابيل لا يزالان موجودين حتّى اليوم. ومع ذلك، فقد أظهر لنا ابن الله أنّه إذا كان علينا أن نختار، فلا نسلبنَّ الآخر حياته، وإنّما لنبذل حياتنا في سبيل الآخر.”