12 مارس 2026
لبنان

عبد السّاتر: مدعوّون لأن نكون فعلة سلام

في كنيسة مار يوسف- الحكمة ببيروت، ارتفعت الصّلوات من أجل السّلام في لبنان وخلاص شعبه، خلال قدّاس إلهيّ احتفل به راعي أبرشيّة بيروت المارونيّة المطران بولس عبد السّاتر، عاونه فيه خادم الرّعيّة المونسنيور اغناطيوس الأسمر ورئيس المركز الكاثوليكيّ للإعلام المونسنيور عبدو أبو كسم، بمشاركة لفيف من الكهنة والرّهبان، وبحضور وزير الإعلام د. بول مرقص، وحشد من الفعاليّات والإعلاميّين والمؤمنين.

وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى المطران عبد السّاتر عظة جاء فيها: “أشكر صاحب المعالي على مبادرته في إقامة هذا القدّاس على نيّة السّلام في لبنان، كما نشكر جميع المسؤولين، وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهوريّة، الّذين بجهودهم الدّبلوماسيّة يعملون من أجل إيقاف الحرب على لبنان ورفع الأذى عن شعبه. كما نشكر جميع الحاضرين لمشاركتهم في الصّلاة معنا، ووسائل الإعلام الّتي تغطّي هذا القدّاس الإلهيّ.

إخوتي وأخواتي، ها إنّنا نلتقي في هذا المساء لنحتفل معًا بالقدّاس الإلهيّ على نيّة أن يعمَّ السّلام الحقيقيّ بلدنا لبنان والمنطقة وقلوب شعوبها فتعود لكلِّ إنسان كرامته ليتمتّع بحياة كلّها محبّة وفرح وسلام.

ولا بدّ لنا في هذه المناسبة إلّا أن نستذكر بعض ما قاله البابا لاون الرّابع عشر أثناء زيارته للبنان والّتي أرادها أن تكون تحت عنوان “طوبى لفاعلي السّلام”.

ففي كلمته في القصر الجمهوريّ دعا قداسة البابا المسؤولين عندنا، وكانوا من مختلف الأحزاب والأديان، إلى أن يحبّوا السّلام ويقدّموا تحقيقه على كلِّ شيء. وتابع قائلًا: “الالتزام بالعمل من أجل السّلام، ومحبّة السّلام لا يعرفان الخوف أمام الهزائم الظّاهرة، ولا يسمحان للفشل بأن يثنيهما، بل طالِب السّلام يعرف أن ينظر إلى البعيد فيقبل ويعانق برجاء وأمل كلَّ الواقع”. وينبّه قداسته إلى أنَّ “بناء السّلام يتطلّب مثابرة، وحماية الحياة ونموّها يتطلّبان إصرارًا وثباتًا”. ويتابع: “أرجو منكم أن تتكلّموا لغة واحدة: لغة الرّجاء الّتي تجمع الجميع ليبدأوا دائمًا من جديد”.

وأكّد قداسة البابا أنّ “على فعلة السّلام أن يسيروا على طريق المصالحة الشّاقّ لأنّه من دون العمل على شفاء الذّاكرة وعلى التّقارب بين من تعرّضوا للإساءة والظّلم، يصير من الصّعب بلوغ السّلام”. وإعترف بالخير الّذي يأتي اللّبنانيّين من أولادهم المنتشرين في العالم ولكنّه دعانا إلى أن “نبقى في أرضنا وفي مجتمعنا على الرّغم من الصّعوبات والنّزاعات والحروب لنساهم يومًا بعد يوم في تطوير حضارة المحبّة والسّلام”.

إخوتي وأخواتي، أن نصلّي من أجل السّلام هو أمر أساسيّ وضروريّ. وإنّنا نؤمن أنَّ الله الآب سيستجيب حتمًا لصلواتنا وأنَّ الله الابن، ربّنا يسوع المسيح الّذي بتجسّده وموته وقيامته انتصر على الموت والشّرّ، سينتصر حتمًا على الموت والشّرّ في بلدنا وفي منطقتنا. ولكن دعونا لا ننسى أنّنا مدعوّون لأن نكون فعلة سلام ومدعوّون لنعيش المحبّة الأخويّة ولنحمي الحقيقة ولنغفر لمن أساؤوا إلينا.

إخوتي وأخواتي، أن نعمل من أجل السّلام لا يعني انهزامًا أمام الشّرّ ولا يعني حتمًا خيانة لقضيّة ولا ضياعًا لهويّة. أن نعمل من أجل السّلام يعني الانتصار على الشّرّ وعلى الموت وعلى التّعصّب وعلى حبّ المال والسّلطة.

إخوتي وأخواتي، لقد تعبنا جميعًا من النّزاعات ومن الحروب. نريد السّلام لنا ولأولادنا وهذا ما شدّد عليه البابا لاون حيث قال: “الشّرق الأوسط بحاجة إلى مواقف جديدة، وإلى رفض منطق الانتقام والعنف، وإلى تجاوز الانقسامات السّياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة، وإلى فتح صفحات جديدة باسم المصالحة والسّلام. سلكنا طريق العداء المتبادل والدّمار في رعب الحروب زمنًا طويلًا، وها نحن نشهد جميعًا النّتائج الأليمة لذلك. يجب علينا أن نغيّر المسار، ونربّي القلب على السّلام”.

وأنهي عظتي بما قاله البابا لاون في القدّاس الّذي احتفل به في الواجهة البحريّة لبيروت: “هذا الجمال (جمال الواجهة البحريّة) يغشاه فقر وآلام، وجراح أثّرت في تاريخكم، (…) لكن كلمة الله تدعونا إلى أن نرى الأنوار الصّغيرة المضيئة في وسط ليل حالك، لكي نفتح أنفسنا على الشّكر، ونتشجّع على الالتزام معًا من أجل هذا الوطن وهذه الأرض. نحن مدعوّون جميعًا إلى أن لا نصاب بالإحباط، وألّا نرضخ لمنطق العنف ولا لعبادة صنم المال، وألّا نستسلم أمام الشّرّ الّذي ينتشر”.

وفي ختام القدّاس الّذي خدمته جوقة الرّعيّة، تُليت الصّلاة الّتي دعا البابا لاون الرّابع عشر إلى تلاوتها خلال شهر آذار على نيّة السّلام، وفي ما يلي نصّها:

“باسم الآب، والابن، والرّوح القدس، إلهٍ واحد، آمين.

يا ربّ الحياة، يا من صوّرتَ كل إنسان على صورتك ومثالك، نحن نؤمن بأنّك خلَقتنا للشّركة لا للحرب، للأُخوّة لا للدّمار. أنتَ الّذي حيّيتَ تلاميذَك، قائلًا: “السّلام لكم”، امنحنا سلامَك، والقوّةَ لجعلِه حقيقةً في مسيرة التّاريخ.

نرفعُ اليوم ابتهالَنا من أجل السّلام في العالم، سائلين أن تتخلّى الأمم عن السّلاح، وتختار طريق الحوار والدّبلوماسيّة. إنزع سلاحَ الكراهيّة والحقد واللّامبالاة من قلوبنا لكي نصبح أدوات للمصالحة. ساعدنا لكي نفهمَ أنّ الأمان الحقيقيّ لا ينبع من السّيطرة الّتي يغذّيها الخوف، بل من الثّقة والعدالة والتّضامن بين الشّعوب.

يا ربّ، نوِّر عقولَ قادة الأمم لكي يتحلّوا بالشّجاعة ليتركوا مشاريع الموت، ويوقفوا سباق التّسلّح، ويضعوا في المحور حياةَ الأكثر هشاشة. إجعل الخطر النّوويّ لا يحدّد مستقبل البشريّة أبدًا بعد اليوم.

أيّها الرّوح القدس، اجعلنا بناة سلام يوميّ، أمناء ومبدعين: في قلوبنا، في عائلاتنا، في مجتمعاتنا ومدننا. ولتكن كلّ كلمة طيّبة، وكلّ بادرة مصالحة، وكلّ خيار للحوار بذورًا لعالم جديد. آمين”.