12 مارس 2026
الفاتيكان

البابا: في الكنيسة هناك مكان للجميع

هذا ما أكّده البابا لاون الرّابع عشر، خلال المقابلة العامّة ظهر أمس الأربعاء، حيث واصل التّأمّل في الدّستور العقائديّ “نور الأمم”، متوقّفًا عند الفصل الثّاني المخصّص لشعب الله.”

وفي تعليمه الأسبوعيّ، قال البابا بحسب “فاتيكان نيوز”: “إنّ الله، الّذي خلق العالم والبشريّة ويرغب في خلاص كلّ إنسان، يتمّم عمله الخلاصيّ في التّاريخ عبر اختيار شعب ملموس والسّكن فيه. لهذا السّبب، دعا إبراهيم ووعده بنسل لا يُحصى كنجوم السّماء وكرمل البحر. ومع أبناء إبراهيم، وبعد أن حرّرهم من حالة العبوديّة، قطع الله عهدًا، ورافقهم، واعتنى بهم، وجمعهم في كلّ مرّة ضلّوا فيها الطّريق. لذا، فإنّ هويّة هذا الشّعب تُستمدُّ من عمل الله والإيمان به، وهو مدعو ليكون نورًا للأمم الأخرى، كمنارة تجذب إليها كلّ الشّعوب والبشريّة جمعاء.

يؤكّد المجمع أنّ “هذا كلّه إنّما تمّ تمهيدًا ورمزًا لذلك العهد الجديد والكامل الّذي كان سيُبرم في المسيح، ولذلك الإعلان الأكمل الّذي كان سيُنقل عن طريق كلمة الله نفسه الّذي صار بشرًا”. فالمسيح في الواقع هو الّذي، إذ ببذل جسده ودمه، يجمع في ذاته وبشكل نهائيّ هذا الشّعب. وقد بات هذا الشّعب يتألّف الآن من أناس آتين من كلّ أمّة؛ يوحّدهم الإيمان به، واتِّباعه، والعيش من حياته ذاتها، يحرّكهم روح الرّبّ القائم من بين الأموات.

هذه هي الكنيسة: شعب الله الّذي يستمدّ وجوده من جسد المسيح، وهو نفسه جسد المسيح؛ شعب ليس كسائر الشّعوب، بل هو شعب الله، الّذي استدعاه هو، والمكوّن من نساء ورجال يأتون من جميع شعوب الأرض. ومبدأ وحدته ليس لغة أو ثقافة أو عرقًا، بل الإيمان بالمسيح: وبالتّالي فالكنيسة- وفقًا لتعبير رائع للمجمع- هي “جماعة الّذين ينظرون بالإيمان إلى يسوع”.

يتعلّق الأمر بشعب مسيحانيّ، تحديدًا لأنّ رأسه هو المسيح. والمنتمون إليه لا يتباهون باستحقاقات أو ألقاب، بل فقط بعطيّة كونهم، في المسيح ومن خلاله، أبناءً وبنات لله. لذا، وقبل أيّة مهمّة أو وظيفة، ما يهمّ حقًّا في الكنيسة هو أن نكون مُطعَّمين في المسيح، ونكون أبناء لله بالنّعمة. هذا هو أيضًا “لقب الشّرف” الوحيد الّذي يجب أن نسعى إليه كمسيحيّين. نحن في الكنيسة لكي ننال الحياة باستمرار من الآب، ولكي نعيش كأبنائه وكإخوة فيما بيننا. وعليه، فإنّ الشّريعة الّتي تحرّك العلاقات في الكنيسة هي المحبّة، كما ننالها ونختبرها في يسوع؛ وغايتها هي ملكوت الله، الّذي تسير نحوه الكنيسة جنبًا إلى جنب مع البشريّة جمعاء.

ولكونها متّحدة في المسيح، ربّ ومخلّص كلّ رجل وامرأة، لا يمكن للكنيسة أبدًا أن تنغلق على نفسها، بل هي منفتحة على الجميع وهي للجميع. وإذا كان المؤمنون بالمسيح ينتمون إليها، فإنّ المجمع يذكّرنا بأنّ “جميع البشر مدعوّون لكي يكوِّنوا شعب الله الجديد. لذا، فإن هذا الشّعب، إذ يبقى واحدًا وفريدًا، يجب أن يمتدّ إلى العالم أجمع وإلى كلّ العصور، لكي تتحقّق إرادة الله، الّذي خلق في البدء الطّبيعة البشريّة واحدة، ويريد أن يجمع أبناءه الّذين تشتّتوا”. حتّى الّذين لم ينالوا الإنجيل بعد هم، بطريقة ما موجّهون نحو شعب الله، والكنيسة، ويعاونون في رسالة المسيح، ومدعوّون لنشر الإنجيل في كلّ مكان وللجميع، لكي يتمكّن كلّ فرد من أن يدخل في علاقة مع المسيح.

وهذا يعني أنّ هناك في الكنيسة ويجب أن يكون هناك مكانًا للجميع، وأنّ كلّ مسيحيّ مدعوّ لإعلان الإنجيل والشّهادة له في كلّ بيئة يعيش ويعمل فيها. هكذا يُظهر هذا الشّعب شموليّته، من خلال قبول غنى وموارد الثّقافات المختلفة، وفي الوقت عينه، تقديم حداثة الإنجيل لها لكي تنقّيها وترفعها. بهذا المعنى، الكنيسة هي واحدة ولكنّها تشمل الجميع. هكذا وصفها لاهوتيّ كبير: “كفلك وحيد للخلاص، يجب أن تستقبل في سفينتها الواسعة جميع الاختلافات البشريّة. وكقاعة وحيدة للوليمة، فإنّ الأطعمة الّتي توزّعها هي مستمدّة من الخليقة جمعاء. وكثوب المسيح غير المخيّط، هي أيضًا- وهو الأمر نفسه- ثوب يوسف المتعدّد الألوان”.

وإختتم البابا كلمته بالقول: “إنّها لعلامة رجاء كبيرة- خاصّة في أيّامنا هذه الّتي تعصف بها الكثير من الصّراعات والحروب- أن نعرف أنّ الكنيسة هي شعب يتعايش فيه، بقوّة الإيمان، نساء ورجال مختلفون في الجنسيّة أو اللّغة أو الثّقافة: إنّها علامة وضعت في قلب البشريّة ذاتها، وتذكير ونبوءة لتلك الوحدة وذلك السّلام الّذي يدعو إليه الله الآب جميع أبنائه.”